ذكرى مرور 95 عاما على استكمال احتلال الفرس لأرض الأحواز العربية

يصادف اليوم الذكرى الخامسة والتسعين، لاستكمال احتلال أرض الأحواز العربية، في أكبر جريمة تم التكتّم عنها في التاريخ البشري، ليس فقط لكونها احتلال فارسي لأرض عربية، وتقويض إماراتها ، واحدة بعد أخرى ، منذ مطلع القرن العشرين، وقهر شعبها ، وإخضاعه للسيطرة من الفرس الحاقدين على العرب، لا بل يتعدى الأمر هذا إلى مشاريع الاستيطان التي سعى من خلالها الفرس، إلى إحكام قبضتهم على نفط وغاز ومعادن الأحواز، فضلا عن سرقة مياه أنهارها ، نحو مدنه الفارسية، وتعطيش الأحوازيين، وإدامة الإفقار والتجهيل والإهمال لجميع مدنهم وقراهم.
في البداية، وقبل اكتشاف نفط مسجد سليمان عام 1909 ، على يد البريطانيين، كانت أنظار الفرس متوجهة للسيطرة على مضيق باب السلام، الذي تم تغيير اسمه إلى مضيق هرمز، وتسمية الخليج العربي، بشاطئيه الغربي والشرقي، بالخليج الفارسي، رغم أن الفرس لم يكن لهم عبر تاريخهم كله، أي إطلالة على مياه الخليج الدافئة.
هكذا تم احتلال الجزء الجنوبي من الأحواز، ومحاولة إحكام السيطرة على موانئ جُرُون وأبو شهر، قبل أن يغيّر اكتشاف النفط في مسجد سليمان، من استراتيجية الفرس، حيث بدأت الاتصالات مع البريطانيين، ومحاولة التقارب منهم، بهدف تمكين الفرس من السيطرة على إمارة المُحمَّرة، والتي كانت تحت سيطرة الشيخ خزعل الكعبي.
وجاءت الحرب العالمية الأولى، واندحار العثمانيين عن الأراضي العربية، وصعود الخطر الشيوعي، وتوسيع نفوذه في منطقة تعتبرها الدول الغربية، استراتيجية وحيوية إلى أبعد الحدود، وهنا لعب الشاه رضا بهلوي الذي أطاح بحكم القاجاريين ، دورا في استمالة البريطانيين، والادعاء بأن وجود الفرس سيحمي المنطقة من نفوذ الروس.
وحصلت مؤامرة اعتقال وتسميم الشيخ خزعل الكعبي، ودخول جيش الشاه إلى شمالي الأحواز، ليحكم قبضته على كامل الأحواز في العشرين من نيسان أبريل عام 1925.
لتبدأ بعدها جملة ممارسات تعسفية بحق الأحوازيين، حيث تم التخطيط إلى استقدام المستوطنين الفرس إلى المراكز الحيوية في الأحواز، وهكذا تم تمليك نافذين ومقربين من الشاه، من أراضي محيط مسجد سليمان، ووادي الزنبق الذي يطلق عليه الاحتلال اسم إيذج، ومعظم المناطق الشمالية التي تحصر منطقة واسعة بين السوس وتستر والصالحية، لبناء مستوطنات فارسية، وهي مناطق غنية بمواقعها السياحية، وطبيعتها الخلابة، فضلا عن محيط مسجد سليمان وعروة، كما سبق وأن جرى في مناطق جنوبي الأحواز، حيث تم استقدام مستوطنين لموانئ جرون وأبو شهر، ومنحهم الامتيازات على حساب سكانها الأصليين من العرب الأحوازيين.
وفي الأربعينيات، وتحت مسمى قانون الإصلاح الزراعي، وبعد تحويل الدولة الفارسية، إلى مسمى الدولة الإيرانية، وإعادة رسم خارطة الدولة التي قضمت أراضٍ عربية وبلوشية وكردية وآذرية، قامت دولة الاحتلال بالسيطرة على الأرض الأميرية أو المشاع، ومنحتها لمواطنين فرس من طهران وأصفهان وخراسان، ممن لم يسبق لهم وأن رأوا الأحواز من قبل، ليصبح هؤلاء مالكي أراض، تمهيدا لإنشاء مشاريع تخدم تطلعات الفرس، في السيطرة وتحقيق التغيير الديمغرافي، على حساب الشعب العربي الأحوازي.
وخلال تاريخ احتلالهم للأحواز، قام الفرس بتعزيز المستوطنات فيها، وتحظى هذه المستوطنات بكامل الخدمات من مرافق عامة وطرقات وشبكات مياه وصرف صحي، وتتميز بالحدائق الواسعة، والساحات الكبيرة، في وقت أبقت فيه سلطات الاحتلال على مدن الأحواز على حالها، ولم تقم بأي جهد لتطويرها، وتخديمها، في إصرار منها على خلق صورتين متناقضتين، حيث يبدو الفارسي في الأحواز كشخص حضاري، وتتمتع مناطقه بكافة المظاهر الحضارية، بينما تكرس سياسة الاحتلال حالة التخلّف والبدائية لمدن وقرى الأحواز، ضمن منهج دأبت على بثه في إعلامها ومناهجها الدراسية، للحطّ من قدْر العربي، والإعلاء من قدْر الفرس، وهذا بالطبع يخدم سياسة الإبادة الجماعية، والتي تشترط أن تكون الضحية أقل قدْرا لدى المعتدي، حتى تسهّل عليه عمليات التعذيب والقتل، من خلال جعل الضحية أدنى من المستوى البشري.
وهذا المنهج تم اختباره في أكثر من مجزرة، وتم تجذيره في العام الأول لانتصار ثورة الخميني، في ارتكاب مجزرة الأربعاء السوداء في المُحمرة، عام 1979 والتي راح ضحيتها مئات الأحوازيين الأبرياء.
ومع حلول منتصف شهر نيسان أبريل عام 2005 ، تم فضح وثيقة أبطحي، والتي كشفت عن منهجية في تهجير العرب الأحوازيين، والاستيلاء على أراضيهم، واستقدام مستوطنين فرس ومن قوميات أخرى، لجعل العرب أقلية قومية في وطنهم المغتصب.
وفي جميع ما جرى ويجري في الأحواز، يبرز الاحتلال إجرامه وإرهابه بحق الأحوازيين، فحين حصلت احتجاجات نوفمبر الماضي، حصد الاحتلال أرواح زُهاء مئتين وعشرين مواطنا مدنيا أحوازيا، وأصاب المئات بالرصاص الحي، واعتقل الآلاف خلال الاحتجاجات وفي الفترة التي تلتها، وهذا لم يحصل في بقية بقاع جغرافية إيران السياسية، والتي شهدت احتجاجات مشابهة.
وتكرر سيناريو التمييز العنصري، تجاه الأحوازيين، حين انتفضت ستة سجون في جغرافيا إيران السياسية، ولم تُسجّل فيها حالة قتل واحدة لسجناء، وحين انتقلت الاحتجاجات إلى سجون الأحواز في سبيدار وشيبان، فإن الحصيلة كانت 36 شهيدا برصاص الاحتلال بين المعتقلين، وأكثر من 120 إصابة في صفوفهم.
جميع ما سبق يؤكد أن منهج الاحتلال الفارسي لا يرتبط بنظام حكم معين، وإنما بذهنية ترى في الأحواز موقعا استراتيجيا لابد من السيطرة عليه، واستثمار ثرواته الطبيعية وخيراته كلها، وبالمقابل عدم منح الأحوازيين أبسط مقومات الحياة على أرضهم، ودفعهم إلى ثنايا التهميش، وإغراقهم بالبؤس والتخلف والجهل، وحرمانهم من الاستقرار والشعور بالأمان على أرضهم، عبر فتح السدود وإغراق أراضيهم، وإفقارهم، وعدم السماح لهم بالبناء ، حتى عندما تقوم مؤسسات سكنية ببناء شقق جديدة، ويسجل الأحوازيون ويدفعون الأقساط كاملة، يتم حرمانهم من الحصول على الشقق بالمماطلة، ليضطر هؤلاء لبيعها عبر وسطاء لمستوطنين فرس، فهذه المساكن التي تحظى بالخدمات، يتم إنشاؤها فقط للعنصر الفارسي، ويحرم منها العربي.
جميع ما سبق يجعل احتلال الأحواز أمرا متجددا وليس حدثا تاريخيا مضى وانقضى، وهو في نفس الوقت يدفع الأحوازيين إلى المزيد من التحدي والمقاومة والإصرار على الخلاص من الاحتلال بشتى السبل الممكنة، ورفع راية الأحواز العربي، على كامل ربوعه، مهما ظن الاحتلال أن ذلك مطلب صعب المنال.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى