الانتحار قرار بالاستسلام لليأس والهزيمة يضعف الأحوازيين في مواجهة الاحتلال

لا تكادُ ظاهرةُ الانتحارِ في الأحوازِ المحتلةِ تخبو، حتى تعاودَ من جديدٍ، احتلالَ مكانةٍ خاصّةٍ، في حياةِ الأحوازيين اليومية.

فالانتحارُ هو أحدُ الخِياراتِ الشخصيةِ التي تفصلُ بين الحياةِ والموت، و تتجلّى في هذا القرارِ المصيريّ الصعب، جوانبُ من فلسفةِ الوجودِ كلّه، حين يصلُ الإنسانُ إلى طريقٍ مسدودةٍ، لا يرى فيها مخرجاً، فتحتزبُ الهمومُ فوق رأسهِ، ويقودُه اليأسُ إلى تنفيذِ الانتحار.

هذا الانتحارُ في الأحوازِ المحتلةِ، يحملُ دلالاتٍ واضحةٍ، على مدى تردي الأوضاعِ، على مختلفِ المجالاتِ، الاقتصاديةِ منها والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، في ظلِّ احتلالٍ يضيّقُ على الأحوازيين، ويحرمُهم من فرصِ العملِ والانطلاقِ في الحياة.

 

وفي حادثةِ الانتحارِ الأخيرة التي قضى فيها معلمٌ أحوازيٌّ في العقدِ الخامسِ من العمر، بمدينةِ أبو شهر جنوبي الأحواز، يتجلّى وجهٌ جديدٌ من اليأسِ والقنوط، فالرجلُ الذي يعملُ كمربٍ للأجيالِ، وجدَ نفسَهُ محاصراً بضغوطاتِ الحياةِ، تتراكمُ عليه الديونُ، ولا يمكنُهُ ابتلاعُ ذلِّ سؤالِ الناسِ، بعد كلّ سنواتِ عمرِهِ التي أفناها في التعليمِ والتربية، فلم تتمكنْ قدراتُهُ وخبراتُه، من الوصولِ به إلى حدِّ الكفاف، ليجدَ نفسَه أمامَ قرارٍ يائسٍ بالانتحار.

 

وإذا كان هذا الانتحارُ من رجلٍ في العقدِ الخامسِ من عمرهِ غريباً، فإن انتحارَ شابٍ قبل أيامٍ في مدينةِ دُوْرْانْتَاش شمالي الأحواز، ليس أقلَّ غرابةً، وإثارةً للسؤالِ حولَ أسبابِ الانتحارِ في الأحوازِ المحتلة، وسُبلِ الحدِّ من هذا الموتِ العبثيّ.

فالاحتلالُ الذي يحاصرُ الأحوازيينَ بالهمومِ اليوميةِ الصغيرة، ليغرقَهم بالتفاصيلِ الخدمية، ويمنعَهم من التفكيرِ في ما هو أبعدُ من حلِّ أزمةِ مياهٍ للشربِ، أو انقطاعِ تيارٍ كهربائي، أو مشكلةِ رواتبَ متأخرة، أو طردِ عاملٍ، وتكبيدِ مُزارعٍ بخسارةِ محصولِه، إلى ما هو أعمقُ وأهمّ، فجميعُ ما سبقَ ذكرُهُ، مضافاً إليه البطالةُ، وحرمانُ الخريجين الجامعيين، من فرص العمل، لا يشكلُ في حقيقةِ الأمرِ سوى تجلياتٍ لسياسةِ الاحتلالِ الراميةِ إلى إفقارِ الأحوازيين، والتضييقِ عليهم بنقص فرص العمل والخدمات، وحرمانِهم من التنمية العمرانيةِ والبشرية، تمهيداً لاقتلاعِهم من أرضِهم، واستقدامِ مستوطنين مكانَهم.

لكنّ الردَّ على هذهِ الضغوطاتِ بالاستسلامِ لليأسِ، وتحقيقِ الهزيمةِ أمامَ هذا العدو، بالانتحارِ يأساً، ليس هو الردُّ الأحوازيُّ المُنتظر، فخصوصيةُ الوقوعِ تحتَ الاحتلالِ، تستوجبُ مواجهتَه بشتى السبلِ الممكنة، وعدم إتاحةِ الفرصةِ له، بتحقيقِ انتصارٍ بنشرِ ثقافةِ الهزيمةِ والاستسلامِ والانكسارِ والإحباط، لا بل يكونُ مطلوباً تجميعُ كراتِ اليأسِ والإحباطِ وإعادتَها إلى مرمى العدوّ، غضباً واحتجاجاً وعدمَ تهاونٍ في تقديرِ ما يمكنُ لشعبٍ ما أن يقومَ بهِ، من اجتراحِ المعجزاتِ لتحقيقِ مطالبِه العادلةِ في الحياةِ بحريةٍ وعدالة، وعدمِ الركونِ إلى أصواتِ اليائسينَ والمُحبَطينَ، والعملُ بقولِ الشاعرِ:

فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ…وإمّا مماتٌ يُغيظُ العدى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى