أهالي قرية سيد معن يحصون خسائر لا يمكن تعويضها جراء كارثة السيول

ترحب قرية سيد معن على أطراف الأحواز العاصمة بزوارها عبر هذه اللافة البائسة عند مدخلها، لكنك إن دخلتها زائرا في أكثر أوضاعها استقرارا ورخاءا، فلن تجد سوى البؤس والفقر والبساطة المفرطة في كل مناحى الحياة.

هذه القرية الوادعة البسطاء الطيبون سكانها ضربتها السيول فزادت طين حياتهم بلة وبؤسا وشقاءا.

هجروا منازلهم ثم عادوا، بعد أن قيل لهم إن السيول انحسرت عنها، وصار بإمكانهم الرجوع إلى منازلهم، فعادوا وفي عودتهم صدمة وخسائر لمسوها، فأدركوا ألا يمكن لهم والبؤس يغمر حياتهم من كل صوب أن يعوضوا ما دمرته السيول من شقاء السنين، فهو أي ما خسروه وإن بدا للناظرين ممن ينعمون ببعض الرخاء بلا قيمة، هو ذا وزن مادي ومعنوي، لو تعلمون كم هو لهؤلاء الفقراء الطيبين عظيم.

شردت انا وعائلتي من منزلنا وبتنا في العراء وفي مراكز تجميع النازحين أياماً، يقول الرجل ثم يشرع في البوح عن فداحة ما أفقدتهم كارثة السيول.

لم يعد في جعبتنا شيئ سوى ما حصلنا عليه من تبرعات و لوازم إغاثية، هي لا شك لن تعوض خسارتنا، قالت السيدة المنكوبة، إذ جلست عند مدخل بيتها الذي دمرته الكارثة، ثم اجهز عليه غياب سلطات النظام التي تركت القرى الاحوازية نهباً للمياه والمجرمين.

أما المواشي التي هي بالنسبة لمعظم هؤلاء رزقهم والتي تشكل في وعيهم جميع رأس مالهم وما يستطيعون استثماره للبقاء، فقد نفق بعضها، ويشرع ما تبقى منها في البحث عما يبقيها على قيد الحياة، فما كان قبل أيام زرعا ومراع بات أرضا خاوية لن تجد فيها هذي المخلوقات ما يسعفها في البقاء والإبقاء على أصحابها المنكوبين.

تشققت أساسات هذا البيت المبني على عجل قبل دهر، فبات سقوطه على رأس من يسكنوه مسألة وقت، بعد أن اتلفته مياه السيول  التي يبدو أنها قست على براءة هؤلاء الاطفال المنتهكة على أي حال، قبل وأثناء وبعد ومع او بدون كارثة السيول .

تفوق الخسارة أعمارهم وقدراتهم المتوقعة على تفهم هول ما ينتظرهم إن تهاوى مأواهم الوحيد بعد أن جربوا مرارة النزوح والتشرد إلى حين، تحدث بعضهم عن هول الكارثة بلسان يفوق سنه فكشف عن عمق مجرى الدموع والألم في فؤاده المكلوم، فطفل في عمر هؤلاء لا يجب أن ترتبط همومه بالسيول والخسائر والكوارث وهو يعاني أصلا من الفاقة والبؤس وجور السنين.

ليست هذي القرية سوى واحدة من مئات غيرها، وليس ما حل بها وبسكانها سوى نموذج لعشرات الحالات التي تناهزها أو ربما تفوقها نكبة وفداحة في الخسارة، خسارة لا يبدو أن سكانها قادرين على تعويضها ولا حتى تحمل تبعاتها، التي تمتد مع الفقر والبؤس عادة لسنوات، فالكارثة إن حلت بالمعدم الفقير أصلا تحولت مأساة مفتوحة والحديث هنا عن مئات آلاف الأحوازيين المنكوبين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى